المشروع الإيـراني..وصرخة القرضاوي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:
فإن اتفاق كلمة المسلمين ووحدة صفهم وعدم تفرقهم في أصول الدين؛ من المقاصد العظيمة التي حرصت الشريعة على إيجادها وتأكيدها؛ لذا كان العمل على تحقيق ذلك في أرض الواقع من المهام الجليلة التي يعمل لها المحبون لنصرة هذا الدين، ولظهوره على الدين كله. لكن مع نُبْل هذا المقصد فقد سلك بعض الناس لتحقيقه طريقاً لا يوصل إلى المراد، وهو الاستجابة لمحاولة التوفيق بين الحق والباطل وغض الطرف عن المخالفات العقدية؛ بزعم التقريب بين المختلفين، ومن هذا المنطلق كانت دعوى التقريب بين أهل السنة والشيعة وتوحيد صفهما، ومع كل محاولة من هذه المحاولات المتعددة يتبين خطأ هذا الطريق وعدم جدواه، وأن دعوى التقريب من جانب الشيعة لم تزد في حقيقتها عن كونها غطاء وستاراً لنشر مذهبهم بين أهل السنة؛ مستغلين في ذلك حسن نية أهل السنة وحرصهم على جمع الكلمة، وكان الذي ينبغي فعله في ذلك هو كشف زيف العقائد الشيعية وبطلانها وإقامة الحجة عليهم مع دعوتهم إلى اتِّباع السنة النبوية الصحيحة، وذلك كما فعل الشيخ موسى بن جار الله التركستاني، وهذا الأسلوب بلا شك لو بُذل فيه الجهد لكان أنفع وأجدى من محاولات تقريب - لو نجحت - لم تثمر إلا عن خلط الحق بالباطل، والمساواة بينهما، أو الإعراض والتغاضي ولزوم الصمت حيال ما يناقض شريعة الله تعالى، وفي هذا جناية على الحق بتضييعه، وجناية على أهل السنة بتيسير سبل اختراق صفوفهم.
التمدد الشيعي ودعوى التقريب:
الدعوة إلى التقريب ينبغي أن تكون قائمة على أسس من شأنها أن تؤدي إلى تحقيق الهدف المنشود، وهو اتِّباع كتاب الله وتعظيمه، وتوقير السنة والعمل بها، والتمسك بهدي القرون المفضَّلة. وفي غياب مثل هذه الأسس الصحيحة تصبح دعوى التقريب بيئة خصبة للتمدد الشيعي في المجتمع السني، بل وصل الأمر ببعض أهل السنة أن بالغ في قبول هذه الدعوى والترويج لها بين أهل السنة، حتى إنه ليصف من يقبل هذا النوع من التقريب بأنه تيار الاعتدال، ويسمي من يكون مستبصراً بالوضع الحقيقي مدركاً لموقف الشيعة من أهل السنة - على مدار التاريخ القديم والحديث - بالتيار المتشدد أو تيار الغلو.
لقد بدأت مسيرة التقريب بين السنة والشيعة في العصر الحديث منذ عدة عقود من الزمان، ولم تسفر عن شيء سوى الغزو الشيعي لبلاد السنة ونشر الرفض فيها، لذلك فإن كل من سلك طريق التقريب مع الشيعة يتبين له بعد مشواره الطويل أن لا فائدة متحققة من وراء ذلك، ومن ثم يعلن تراجعه عما أقدم عليه، وقد مرت دعاوى التقريب بعدة تجارب، من أبرزها: تجربة العلَّامة محمد رشيد رضا حيث سعى في ميدان التقريب أكثر من ثلث قرن كما يقول، ثم سجل خلاصة تجربته قائلاً: «وقد ظهر لي باختباري الطويل وبما اطَّلعت عليه من اختبار العقلاء وأهل الرأي أن أكثر علماء الشيعة يأبون هذا الاتفاق أشد الإباء؛ إذ يعتقدون أنه ينافي منافعهم الشخصية من مال وجاه»[1].
ومن التجارب أيضاً تجربة د. مصطفى السباعي الذي التقى بعض مراجع الشيعة وزار وجوههم من سياسيين وتجار وأدباء، ثم يذكر أن غاية ما قدَّم شيوخ الشيعة تجاه فكرة التقارب هي جملة من المجاملة في الندوات والمجالس مع استمرار كثير منهم في سبِّ الصحابة وإساءة الظن بهم واعتقاد كل ما يُروَى في كتب أسلافهم من الروايات والأخبار، ويذكر أنهم وهم ينادون بالتقريب لا يوجد لروح التقريب أثر لدى علماء الشيعة في العراق وإيران؛ فلا يزال القوم مصرِّين على ما في كتبهم من ذلك الطعن الجارح والتصوير المكذوب لما كان بين الصحابة من خلاف، وكأن المقصود من دعوة التقريب هو تقريب أهل السنة إلى مذهب الشيعة»[2]. وهكذا تجربة الشيخ عبد اللطيف بن محمد السالمزيد
























